بعض عاداتنا في المذاكرة ورثناها بلا سؤال، وبعضها يبدو معقولاً جداً ولا يصمد أمام القياس. هذه ست قناعاتٍ منتشرة، مع ما يقوله عنها البحث، وما يستحق أن تفعله بدلاً منها.
1. «أنا بصريّ، وزميلي سمعيّ»
الفكرة أن لكل متعلّمٍ نمطاً مفضّلاً، وأن تدريسه بنمطه يرفع تحصيله. الجزء الأول من الكلام صحيح: للناس تفضيلاتٌ فعلاً. والجزء الثاني هو الذي يسقط.
مراجعةٌ سنة 2025 نظرت في 17 بحثاً جامعاً، وفرّقت بين نوعين من الدراسات: نوعٌ يختبر فعلاً هل التدريس بالنمط المفضّل يرفع الدرجة، ونوعٌ يرصد صورةً عامة فقط. النوع الأول أعطى فرقاً قريباً من الصفر، وأما النوع الثاني فكان يخلط بين النمط المفضّل وطرق المذاكرة نفسها. وتجربةٌ سنة 2023 على 99 متطوّعاً لم تجد فرقاً في تعلّم مفرداتٍ جديدة بين من صنّفوا أنفسهم بصريين وسمعيين وحركيين.
ماذا تفعل بدلها: لا تسأل «ما نمطي؟» بل «ما الذي تحتاجه هذه المادة؟». الخريطة تُرسم لأنها خريطة، والمعادلة تُحلّ لأنها معادلة، والقصيدة تُنشد لأنها قصيدة. المادةُ تفرض الأسلوب، لا مزاجُ المتعلّم.
2. «التسطير بالألوان والتلخيص مذاكرة»
في بحثٍ سنة 2021 قارن عشر طرق مذاكرة مشهورة، بعد جمع 242 دراسة شارك فيها 169,179 شخصاً، جاءت المذاكرة الموزّعة على أيام والاختبار الذاتي في القمة، وجاء التسطير والتلخيص في القاع.
والسبب مفهوم: التسطير عملٌ تفعله يدك وعينك بلا أن يعمل رأسك. أنت تختار سطراً وتلوّنه ثم تنتقل، ولا شيء في هذه العملية يشبه ما سيُطلب منك في الورقة.
ماذا تفعل بدلها: حوّل كل سطرٍ كنتَ ستسطّره إلى سؤالٍ في هامش الصفحة، ثم أجب عن أسئلتك بلا نظر. التفصيل في مقال كيف تذاكر بالاسترجاع.
3. «أذاكر والهاتف بجواري، لا يؤثّر»

بحثٌ سنة 2025 جمع دراساتٍ عن الطالب الذي يقسم انتباهه بين المذاكرة ووسائل التواصل، فوجد أن درجاته تنخفض كلما زاد هذا التقسيم. وبحثٌ آخر في السنة نفسها جمع 45 دراسة عن كثرة استعمال الهاتف عموماً، فوجد أثراً أصغر على الدرجات، لكنه وجد أن أسوأ صورة على الإطلاق هي أن تنقسم بين الدرس والهاتف في وقتٍ واحد.
وبصراحة: هذه دراسات ترصد علاقة، ولا تُثبت وحدها أن الهاتف هو السبب، فقد يكون الطالب المتعثّر أكثر لجوءاً إليه أصلاً. لكن النتائج تسير في اتجاهٍ واحد، وتوافق ما يعرفه كل من حاول أن يحلّ مسألةً وإشعارٌ يضيء بجواره.
ماذا تفعل بدلها: الهاتف خارج الغرفة، لا مقلوباً على الطاولة. وجلسةٌ واحدة بلا انقطاع أنفع من ساعتين متقطّعتين. وإن كانت ملفاتك على الهاتف فنزّلها قبل الجلسة وأغلق الشبكة.
4. «الموسيقى تساعدني على التركيز»
هنا الجواب أقلّ حسماً مما يظنّ الطرفان. تجربةٌ سنة 2023 على 100 مشارك يقرأون نصوصاً بلغةٍ أجنبية، نصفهم بموسيقى من اختيارهم ونصفهم في صمت، لم تجد فرقاً في درجة الفهم، لكن قياس حركة العين أظهر أن أصحاب الموسيقى بذلوا جهداً ذهنياً أكبر في المواضع التي تحتاج فهماً عميقاً. وفي دراسةٍ سنة 2025 كان الأداء أسوأ حين كانت كلمات الأغنية بلغةٍ يفهمها القارئ.
ماذا تفعل بدلها: إن كنت تراجع أمراً سهلاً أو تحلّ تمريناً آلياً فلا بأس. أما القراءة الأولى لدرسٍ صعب، أو حلّ مسألةٍ تحتاج تتبّعاً، فالصمت أسلم. وإن أردت صوتاً فليكن بلا كلماتٍ تفهمها.
5. «القراءة من الهاتف كالقراءة من الورق»
بحثان سنة 2023 جمعا عشرات الدراسات التي قارنت الفهم عند القراءة من الهاتف والحاسوب اللوحي بالقراءة من الورق، فوجدا تفوّقاً صغيراً ومتكرراً للورق. الفارق ليس كبيراً، لكنه ظهر مرةً بعد مرة.
والأهمّ من الفارق سببه. دراسةٌ سنة 2012 وجدت أن ضعف القراءة من الشاشة يظهر حين يكون الوقت ضيقاً خاصةً، وأن الطالب يقدّر فهمه تقديراً أدقّ حين يقرأ من الورق. يعني أن المشكلة في طريقة قراءتنا لا في الجهاز نفسه: على الشاشة نقرأ أسرع، ونظنّ أننا فهمنا أكثر مما فهمنا فعلاً.
ماذا تفعل بدلها: اطبع ما تستطيع طباعته، خاصةً أوراق العمل وأوراق الامتحانات القديمة. وإن قرأتَ من الهاتف فأبطئ عمداً، وقف عند نهاية كل صفحةٍ واسأل نفسك: ماذا قالت هذه الصفحة؟ وضع الجهاز على وضع الطيران حتى لا تصير القراءة تصفّحاً.
6. «الليلة الأخيرة تكفي»

الحشو في ليلةٍ واحدة ليس بلا أثر، ولهذا يستمرّ الناس عليه: من يقرأ الليلة يتذكّر شيئاً في الصباح. المشكلة في الثمن.
أولاً، الأدلة قوية على أن ما تذاكره على دفعاتٍ متباعدة يبقى أطول مما تذاكره دفعةً واحدة، وأن الفرق يكبر كلما بعُد موعد الاختبار. وامتحانك بعد أسابيع لا بعد ساعة.
وثانياً، الليلة الأخيرة تُشترى غالباً من النوم. وبحثان سنة 2021 جمعا دراسات نصف قرن، فوجدا أن السهر قبل المذاكرة يضرّ الذاكرة ضرراً واضحاً، وأن السهر بعدها يضرّ أقلّ، مع تنبيه الباحثين أنفسهم إلى أن الدراسات في هذا الباب صغيرة وأن الضرر قد يكون أقلّ مما تبدو أرقامه. فأنت تكسب عشر صفحاتٍ محفوظة وتخسر جودة يومٍ كامل تكتب فيه سبعة أسئلة.
ماذا تفعل بدلها: اجعل الليلة الأخيرة استرجاعاً خفيفاً لعناوين ما ذاكرتَه، لا تعلّماً لمادةٍ جديدة. وابنِ التباعد من الآن كما في مقال التكرار المتباعد، واقرأ النوم والذاكرة قبل أن تقرّر السهر.
قناعةٌ سابعة تستحقّ التصحيح
«الأفضل أن أنقل كل ما على السبورة.» بحثٌ سنة 2024 جمع 24 دراسة، فوجد أن الكتابة السريعة على لوحة المفاتيح ترفع كمية ما يُكتب كثيراً، بينما كانت الدرجات أعلى عند من كتبوا بخط اليد ثم راجعوا ما كتبوه. النقل الحرفي السريع يشغل يدك عن رأسك، والاختصار بكلماتك أنت يجبرك على الفهم أولاً.
فإن كنت تنقل الدرس حرفياً، جرّب هذا: اترك ثلث الصفحة فارغاً، واكتب فيه بعد الحصة بخمس دقائق ثلاثة أسئلة عمّا كُتب. الثلث الفارغ أنفع من الصفحة الممتلئة.
كيف تعرف أن نصيحة مذاكرة تستحق الثقة
ستقابل في حياتك عشرات النصائح، فاسأل عن كل واحدة ثلاثة أسئلة قبل أن تبني عليها وقتك:
- هل جُرّبت على طلاب حقيقيين، أم هي كلام معقول فقط؟ كثير مما ينتشر معقولٌ ولم يُجرَّب.
- هل تكرّرت النتيجة عند باحثين آخرين؟ نتيجةٌ واحدة قد تكون صدفة، وعشر نتائج متّفقة شيءٌ آخر.
- هل قيست الدرجة بعد أسابيع أم في اليوم نفسه؟ كثير من الطرق تبدو رائعة في اليوم نفسه وتسقط بعد شهر، وامتحانك بعد شهور.
ولك اختبارٌ شخصي أبسط من هذا كله: جرّب الطريقة أسبوعين وقِس نفسك بورقة امتحانٍ قديمة. الورقة لا تجامل.
الخلاصة في سطرين
أكثر ما يبدو مذاكرةً هو استقبالٌ سلبي: تسطيرٌ، وقراءةٌ ثانية، ونقلٌ حرفي، وصفحاتٌ تمرّ. وأكثر ما ينفع يبدو غير مريح: ورقةٌ فارغة، وأنواعٌ مخلوطة، وفجوةٌ بين المراجعتين، ونومٌ كافٍ.
- «أنا بصريّ وزميلي سمعيّ»فرق قريب من الصفر
- التسطير بالألوان والتلخيصفي قاع عشر طرائق
- الهاتف بجواري لا يؤثّرالانقسام يخفض الدرجة
- الموسيقى تساعد على التركيزجهد ذهني أكبر
- القراءة من الشاشة كالورقتفوّق صغير متكرر للورق
- الليلة الأخيرة تكفيتُشترى من نومك
ابدأ بعادةٍ واحدة تغيّرها هذا الأسبوع، ثم افتح صفحة موادك وطبّقها على بابٍ واحد.
المصادر
كل نتيجةٍ ذُكرت في المقال منسوبةٌ إلى دراستها، والروابط تفتح صفحة الورقة عند ناشرها.
- Hattie, J., et al. (2025). Learning Styles, Preferences, or Strategies? An Explanation for the Resurgence of Styles Across Many Meta-analyses. Educational Psychology Review. الورقة
- Touloumakos, A. K., et al. (2023). Visual Type? Not My Type: A Systematic Study on the Learning Styles Neuromyth. Mind, Brain, and Education. الورقة
- Donoghue, G. M., & Hattie, J. A. C. (2021). A Meta-Analysis of Ten Learning Techniques. الورقة
- Cvetković, K., et al. (2025). The Correlation Between Academic Media Multitasking and Achievement: a Meta-Analysis. الورقة
- Hsieh, C.-Y. (2025). The impact of smartphone usage frequency on university students academic performance. Acta Psychologica. الورقة
- Que, Y., et al. (2023). Studying the effect of self-selected background music on reading task with eye movements. Scientific Reports. الورقة
- Bui, G., et al. (2025). The impact of musical lyrics and working memory capacities on second language reading comprehension. Reading in a Foreign Language. الورقة
- Salmerón, L., et al. (2023). Reading comprehension on handheld devices versus on paper. Journal of Educational Psychology. الورقة
- Ackerman, R., & Lauterman, T. (2012). Taking reading comprehension exams on screen or on paper? Computers in Human Behavior. الورقة
- Newbury, C. R., et al. (2021). Sleep Deprivation and Memory: Meta-Analytic Reviews of Studies on Sleep Deprivation Before and After Learning. Psychological Bulletin. الورقة
- Flanigan, A. E., et al. (2024). Typed Versus Handwritten Lecture Notes and College Student Achievement: A Meta-Analysis. Educational Psychology Review. الورقة



